الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

304

شرح ديوان ابن الفارض

[ المعنى ] أي لو فرض أن الراوين الرائين لإخبار محاسنك أيها الحبيب ذكروا ليعقوب النبي شيئا من محاسنك المتوجهة في وجهك لأنساه ذلك جمال يوسف الصدّيق مع ما هو عليه من الجمال ومع ما هو عليه من المحبة ليوسف التي أجرت دموعه كالسحاب الهطال ، وكذلك لو فرض أن أيوب النبيّ المبتلى رأى ذلك الحبيب حال كونه عائدا له في مرضه في ابتداء النوم قدما أي قبل وجود الحبيب الذي رآه أيوب لاشتفى برؤيته هذه من بلواه . ولو : شرطية . ويعقوب وذكر : منصوبان مفعولان لأسمعوا . وقوله في وجهه : متعلق بملاحة . ونسي : جواب لو ، وفاعله مستتر . والجمال : منصوب مفعوله . واليوسفي : صفة الجمال وأصله اليوسفي مشدّد الياء ، لكن حذفت الياء الواحدة تخفيفا لمناسبة حرف الرويّ . وقوله أو : حرف عطف عطف ما بعده على الجملة الشرطية في البيت الأول . وفاعل رأى أيوب ، والهاء : مفعوله . وعائدا : حال من المفعول . وفي سنة الكرى : متعلق برآه . وقدما : منصوب على الظرفية متعلق أيضا برآه . ومن البلوى : متعلق بشفي . وشفي : مبني للمجهول ، أي شفاه اللّه تعالى بتلك الرؤيا . وقوله رضي اللّه عنه عائدا وفي سنة الكرى وقدما أمور تقتضي تأكيد تأثير جماله في إزالة الأمراض العظيمة ، وذلك لأن العائد لا يمكث كثيرا بل جلسته خفيفة في حدّ ذاتها لأنها مبادي النوم فالرؤية فيها خفيفة في خفيف ، وقوله قدما كذلك لأن المراد لو رآه أيوب في سنة الكرى عائدا له قبل وجود المرئي لأن الحبيب المذكور عبارة عن ذات الرسول محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فرؤية أيوب متقدّمة على وجوده في الخارج فلذلك قال قدما فتأمّل ما ذكرنا لك من القيود الموجبة لكمال تأثير جماله في إزالة الأمراض المستحكمة . وقوله من البلوى ، فيه مبالغة عظيمة وذلك أن المراد شفي من البلوى المعهودة المعروفة المألوفة وهي ابتلاء اللّه تعالى المذكور في القرآن الكريم ، وإنما قال ذلك ليبالغ في كمال تأثيره في مثل هذه البلوى العظيمة التي حارت فيها الأطباء واستحكمت في بدنه أعواما كثيرة ، ولو لم يقل من البلوى لأوهم أنه شفي من مرض مّا ولو كان قبل تلك البلوى العظيمة فلا يكون فيه المبالغة المذكورة فتأمّل فإنه دقيق ، وبالاستفادة حقيق ، وبالحرص عليه خليق ، واللّه تعالى يعطي كل عبد ما به يليق ، وفي كلّ من البيتين تلميح إلى قصة نبيّ كما ترى وفي الأوّل شبه الطّباق بين التذكّر المأخوذ من ذكر والنسيان المفهوم من نسي ، ولولا ذلك لقال : لو أسمعوا يعقوب وصف ملاحة ، أو ما أشبه ذلك . وفيه التجانس بين في وفي المأخوذة من اليوسفي ، وفيه أيضا المناسبة بين ذكر يوسف ويعقوب وبين الملاحة والجمال ، وفي البيتين جناس التصحيف بين شفي في الثاني بالشين المعجمة وفي سفي في الأول بالسين المهملة .